♻️ الاستدامة والسياسات البيئيةترند6 January 2026

ثورة تحلية المياه في السعودية: رحلة التحول نحو الحياد الصفري

كيف نجحت السعودية في خفض استهلاك طاقة تحلية المياه بنسبة 87%؟ قراءة متعمقة في التحول من التقنيات الحرارية إلى التناضح العكسي والطاقة المتجددة.

46 دقيقة قراءة
ثورة تحلية المياه في السعودية: رحلة التحول نحو الحياد الصفري

مقدمة

لطالما كان تأمين المياه العذبة التحدي الأكبر في شبه الجزيرة العربية، حيث تعتبر تحلية مياه البحر شريان الحياة الرئيسي للمملكة العربية السعودية. ومع ذلك، ارتبط هذا الشريان لعقود طويلة بتكلفة بيئية واقتصادية باهظة تمثلت في استهلاك هائل للطاقة المعتمدة على الوقود الأحفوري. اليوم، يشهد هذا القطاع تحولاً جذرياً يعيد تشكيل مفهوم الأمن المائي والبيئي معاً، حيث تقود المملكة حراكاً عالمياً لفك الارتباط بين إنتاج المياه والانبعاثات الكربونية.

إن الانتقال المتسارع من الطرق التقليدية المكلفة إلى تقنيات حديثة ونظيفة ليس مجرد تحديث للبنية التحتية، بل هو حجر زاوية في استراتيجية الاستدامة البيئية التي تتبناها المملكة.

من الغليان إلى الضغط: وداعاً للتقنيات الحرارية

لسنوات طويلة، اعتمدت محطات التحلية في السعودية على تقنيات التقطير الوميضي متعدد المراحل (MSF) والتقطير متعدد التأثير (MED). تعتمد هذه الطرق ببساطة على مبدأ غلي مياه البحر وتبخيرها لفصل الأملاح، وهي عملية تتطلب كميات ضخمة من الطاقة الحرارية والكهربائية. كانت تكلفة إنتاج المتر المكعب الواحد من المياه تصل إلى استهلاك ما بين 15 و22 كيلوواط/ساعة من الطاقة، وهو رقم يمثل عبئاً ثقيلاً على الشبكة الكهربائية والبيئة.

المشهد يتغير الآن كلياً مع التحول نحو تقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis - RO). تعتمد هذه التقنية على الضغط بدلاً من الحرارة، حيث يتم دفع مياه البحر عبر أغشية دقيقة جداً تحجز الأملاح وتسمح بمرور المياه العذبة. هذا التغيير في المبدأ الفيزيائي للعملية أدى إلى نتائج مذهلة في كفاءة الطاقة.

لغة الأرقام: كفاءة غير مسبوقة

تُظهر البيانات الحديثة الصادرة عن شركات رائدة مثل "أكوا باور" والمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة (SWCC) قفزات نوعية في كفاءة التشغيل:

انخفاض استهلاك الطاقة:* هبط استهلاك الطاقة من المعدلات القديمة (22 كيلوواط/ساعة) إلى أقل من 3 كيلوواط/ساعة لكل متر مكعب في المحطات الحديثة.
نسبة التوفير: تشير التقارير إلى انخفاض في استهلاك الطاقة النوعي بنسبة تصل إلى 87%* خلال العقد الماضي.
التطور الزمني:* بدأت الرحلة بخفض الاستهلاك إلى 6.5 كيلوواط/ساعة بين عامي 2009 و2012، واستمر التحسين المستمر في تصميم الأغشية وأنظمة استعادة الطاقة حتى الوصول إلى المعدلات الحالية القياسية.

هذا الوفر الهائل لا يعني فقط خفض التكاليف التشغيلية، بل يعني تقليص ملايين الأطنان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

الطاقة الشمسية: الشريك الطبيعي للمياه

لم يتوقف الابتكار عند حدود تغيير تقنية التحلية، بل امتد ليشمل مصدر الطاقة الذي يُشغّل هذه المحطات. نشهد اليوم توجهاً استراتيجياً لربط محطات التناضح العكسي بمصادر الطاقة المتجددة، وتحديداً الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV).

مشاريع عملاقة مثل محطة "الجبيل" و"الشعيبة 3" تقدم نموذجاً مثالياً لهذا التكامل. فبدلاً من الاعتماد الكلي على الشبكة الكهربائية التقليدية، يتم بناء حقول شمسية مخصصة لتزويد المحطات بالطاقة النظيفة. في مشروع الشعيبة 3 على سبيل المثال، تهدف الخطط لخفض الاعتماد على كهرباء الشبكة بنسبة تقارب 45% بفضل الطاقة الشمسية. هذا المزيج بين تقنية (RO) منخفضة الاستهلاك والطاقة الشمسية يخلق ما يمكن تسميته بـ "التحلية الخضراء".

انعكاسات استراتيجية واقتصادية

يتناغم هذا التحول بشكل مباشر مع أهداف رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء للوصول إلى الحياد الصفري. الفوائد تتجاوز الجانب البيئي لتشمل:

1. وفورات مالية ضخمة: تقليل فاتورة الطاقة يعني توفير مليارات الريالات على المدى الطويل.
2. استدامة الموارد: الحفاظ على النفط والغاز لتصديرهما أو استخدامهما في صناعات تحويلية بدلاً من حرقهما لإنتاج المياه.
3. الريادة التقنية: تصدير الخبرات السعودية في مجال التحلية الخضراء إلى العالم.

تحديات وحلول للمستقبل

رغم هذه النجاحات، لا تزال هناك تحديات يعمل القطاع على حلها لضمان استدامة كاملة:

إدارة الرجيع الملحي:* المياه شديدة الملوحة الناتجة عن التحلية تتطلب حلولاً بيئية مبتكرة لتقليل ضررها على الحياة البحرية عند إعادتها للبحر، أو استثمارها لاستخراج معادن ثمينة.
تقطع الطاقة المتجددة:* نظراً لأن الطاقة الشمسية غير متوفرة ليلاً، يتم العمل على تطوير حلول تخزين الطاقة وأنظمة هجينة ذكية لضمان تشغيل المحطات على مدار الساعة بكفاءة عالية.

خاتمة

إن ما يحدث في قطاع تحلية المياه السعودي هو أكثر من مجرد تطوير تقني؛ إنه إعادة تعريف لعلاقة الإنسان بالموارد الطبيعية في البيئات القاسية. من خلال استبدال الحرارة بالضغط، والوقود بالشمس، تثبت المملكة أن الأمن المائي والاستدامة البيئية خطان متوازيان لا يتقاطعان فحسب، بل يدعم أحدهما الآخر. المستقبل يكمن في كل قطرة مياه تُنتج دون أن تترك أثراً كربونياً خلفها.

لا تفوت أي خبر رائج

انضم إلى أكثر من 100,000 قارئ يتلقون أفضل الأخبار والتنبيهات مباشرة في بريدهم الإلكتروني كل صباح.

بدون إزعاج، يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.