دبي تُدهش العالم: قمة الحكومات تصوغ مستقبل البشرية
## المقتطف المقترح: في دبي، قادة العالم يرسمون خارطة مستقبل الحوكمة والاقتصاد الرقمي. فهل الحكومات العالمية مستعدة لمواجهة متطلبات الغد؟

تتجاوز قمة عالمية للحكومات، التي تنطلق اليوم في دبي، مجرد كونها تجمعاً سنوياً؛ إنها مختبر عالمي تتشكل فيه ملامح المستقبل. أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، ونحو 500 وزير، يمثلون أكثر من 150 حكومة، يجتمعون على أرض الإمارات، ليس للتباحث حول التحديات فحسب، بل لصياغة استراتيجيات عملية تعيد تعريف العمل الحكومي في عالم تتسارع فيه المتغيرات بوتيرة غير مسبوقة. هذا الحضور الكثيف، الذي يضم أيضاً 87 عالماً حائزاً على جائزة نوبل وأكثر من 700 رئيس تنفيذي، يؤكد أن دبي باتت منصة لا غنى عنها للعمل الدولي المشترك.
الحوكمة العالمية: إعادة تشكيل خارطة النفوذ
لم يعد الحديث عن الحوكمة العالمية رفاهية سياسية، بل ضرورة ملحة في ظل تداخل الأزمات وتعقيداتها. القمة العالمية للحكومات 2026 تضع "الحوكمة العالمية والقيادة الفعالة" في صميم محاورها الخمسة الرئيسية، إدراكاً منها أن الاستقرار الاقتصادي والتحول الرقمي والتنمية المستدامة، وهي ركائز أساسية للقمة، لا يمكن تحقيقها بمعزل عن أطر حوكمية قوية وشفافة. المناقشات حول مستقبل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحولات الطاقة، تعكس فهماً عميقاً بأن هذه القطاعات لا تشكل فرصاً اقتصادية فحسب، بل تعيد تشكيل خارطة النفوذ العالمي. السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا: هل الحكومات العالمية مستعدة لمواجهة متطلبات صناعات المستقبل؟ التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة تتطلب أكثر من مجرد التكيف؛ إنها تستدعي قيادة استباقية قادرة على تحويل التحديات إلى مسارات نمو وازدهار.
الاقتصاد الرقمي: بين الفرص الواعدة ومخاطر التهميش
التحول الرقمي ليس خياراً، بل مسار إجباري للحكومات التي تسعى إلى تعزيز تنافسيتها وتقديم خدمات أفضل لمواطنيها. المنتدى العاشر للمالية العامة في الدول العربية، الذي عُقد ضمن أعمال القمة، ناقش بوضوح دور التكنولوجيا في تطوير كفاءة الإدارة المالية العامة، مع التركيز على توظيف الحلول الرقمية لتعزيز الشفافية وتحسين جودة البيانات ومكافحة الفساد. هذه الرؤية تتجاوز مجرد رقمنة الخدمات الحكومية؛ إنها تمتد لتشمل تطبيقات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي كأدوات محورية لتعزيز الإيرادات ورفع جودة صنع القرار المالي. ومع ذلك، فإن السباق نحو الاقتصاد الرقمي يطرح تحديات كبيرة، خاصة للدول التي تفتقر إلى البنية التحتية والتشريعات المناسبة. الفجوة الرقمية قد تتحول إلى فجوة تنموية أعمق، مما يستدعي تعاوناً دولياً مكثفاً لضمان ألا يتخلف أحد عن الركب.
التنمية المستدامة: استثمار في الأجيال القادمة
التنمية المستدامة لم تعد شعاراً بيئياً، بل هي جوهر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل. القمة العالمية للحكومات تركز على آليات تمويل مشاريع التنمية طويلة الأمد، وتبرز الدور المحوري للشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص في تسريع تنفيذ المشاريع التنموية وتوسيع فرص الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية. هذا التوجه يعكس فهماً بأن التحديات المناخية، وشح الموارد، والتحولات السكانية، تتطلب حلولاً ابتكارية تتجاوز الأطر التقليدية. دبي، من خلال مبادرات مثل "دبي 10X" التي تهدف إلى ترسيخ ثقافة الابتكار في العمل الحكومي، تقدم نموذجاً لكيفية دمج الاستدامة في صميم الاستراتيجيات الحكومية. الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية ومستقبل الصحة، كما يتناوله أحد محاور القمة، يؤكد أن التنمية المستدامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة حياة الإنسان ورفاهيته.
دبي: مختبر عالمي لحكومات المستقبل
لم تعد دبي مجرد مدينة تستضيف الفعاليات الكبرى؛ لقد تحولت إلى "مختبر عالمي" لتبادل التجارب الناجحة وصياغة حلول عملية للتحديات المشتركة التي تواجه الحكومات والمجتمعات. رؤية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، التي جعلت من الإمارات حاضنة لحكومات العالم، تتجسد اليوم في هذه القمة التي تجمع قادة الفكر والخبراء لصناعة الغد. أكثر من 445 جلسة، و25 منتدى عالمياً، و36 تقريراً استراتيجياً، هي ليست مجرد أرقام، بل هي شهادة على عمق النقاشات وتنوعها، والحرص على ترجمة الرؤى المشتركة إلى سياسات قابلة للتطبيق. إنها دعوة صريحة للحكومات للتحلي بالمرونة والابتكار، ووضع التفكير الإبداعي في قلب كل استراتيجية وطنية لضمان استدامة التنمية وتفوق القطاعات الحيوية.
القمة العالمية للحكومات 2026 ليست نهاية المطاف، بل هي نقطة انطلاق جديدة نحو مستقبل أكثر ترابطاً ومرونة. مخرجاتها، التي ستركز على صياغة استراتيجيات تعزز العمل الحكومي وتدعم التعاون الدولي، ستمثل خارطة طريق لحكومات العالم في سعيها لتحقيق مستقبل أفضل للمنطقة والعالم. القدرة على استشراف المستقبل، ليس كقدرة على التنبؤ، بل كقدرة على التشكيل، هي ما يميز هذه القمة ويجعلها حدثاً فارقاً في مسيرة التنمية البشرية.
