♻️ الاستدامة والسياسات البيئية26 February 2026

كيف تحول 21 ملياراً سعودياً جدة ومكة لوجهة سياحية عالمية؟

السعودية تستثمر 21 مليار ريال في مشاريع سياحية ضخمة بمكة وجدة. هل ستعيد هذه الخطوة تعريف تجربة الضيافة عالمياً؟

03 دقيقة قراءة
كيف تحول 21 ملياراً سعودياً جدة ومكة لوجهة سياحية عالمية؟

بينما ينشغل العالم بتقلبات الاقتصاد الكلي، تصنع المملكة العربية السعودية واقعاً جديداً على الأرض، مستثمرةً 21 مليار ريال سعودي في 46 مشروعاً سياحياً ضخماً بجدة ومكة المكرمة. هذه الخطوة ليست مجرد إضافة 11 ألف غرفة فندقية جديدة، بل هي تجسيد لاستراتيجية طموحة لإعادة تعريف تجربة الضيافة في قلب العالم الإسلامي، وتأكيد على مكانة السياحة كركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد الوطني.

أرقام تتحدث عن رؤية متكاملة

تتجاوز هذه الاستثمارات الضخمة مجرد تلبية الطلب المتزايد على الإقامة. الـ 21 مليار ريال سعودي المخصصة لـ 46 مشروعاً، والتي ستضيف 11 ألف غرفة فندقية جديدة، تعكس توجهاً استراتيجياً عميقاً نحو تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. فالأرقام هنا ليست غاية بحد ذاتها، بل هي مؤشرات على حجم الطموح ورغبة المملكة في التحول إلى وجهة سياحية عالمية لا تقتصر على السياحة الدينية فحسب، بل تمتد لتشمل تجارب ثقافية وترفيهية فريدة. هذه المشاريع تأتي في وقت تستهدف فيه المملكة جذب 150 مليون سائح بحلول عام 2030، مع تطلعها إلى أن تساهم السياحة بنسبة 10% من إجمالي الناتج المحلي. وقد سجل القطاع السياحي في المملكة أداءً اقتصادياً استثنائياً خلال عام 2025، حيث وصل إجمالي الإنفاق السياحي إلى 300 مليار ريال، بنسبة نمو بلغت 6% مقارنة بعام 2024.

مكة وجدة: محركات مزدوجة للنمو

اختيار مدينتي مكة المكرمة وجدة لهذه الاستثمارات ليس عشوائياً، بل هو قرار استراتيجي يراعي طبيعة كلتا المدينتين ودورهما المحوري في المنظومة السياحية للمملكة. مكة المكرمة، بقدسيتها ومكانتها كقبلة للمسلمين، تستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً. الاستثمار فيها يهدف إلى تعزيز جودة الخدمات وتوسيع الطاقة الاستيعابية لاستقبال الأعداد المتزايدة من ضيوف الرحمن، خاصة مع الأهداف الطموحة لمضاعفة أعداد الحجاج والمعتمرين 3 مرات ليصل إلى 30 مليون زائر سنوياً بحلول نهاية العقد الحالي.

أما جدة، "بوابة الحرمين الشريفين"، فتؤدي دوراً مزدوجاً. فهي ليست فقط نقطة وصول رئيسية للمعتمرين والحجاج، بل هي أيضاً مركز اقتصادي وسياحي حيوي على ساحل البحر الأحمر. مشاريع جدة تهدف إلى تحويلها إلى وجهة عالمية نابضة بالحياة، تجمع بين الأصالة والحداثة، وتقدم مرافق ترفيهية متكاملة وشواطئ ساحرة ومناطق سكنية راقية. مشروع "وسط جدة" على سبيل المثال، بمساحته التي تبلغ 5.7 ملايين متر مربع وواجهته البحرية التي تمتد 9.5 كم، سيضم مرسى عالمياً لليخوت وشاطئاً رملياً استثنائياً، بالإضافة إلى معالم ثقافية وترفيهية مثل دار الأوبرا والمتحف والإستاد الرياضي. هذا التنوع يعزز قدرة جدة على جذب السياح على مدار العام، ليس فقط لأغراض دينية بل أيضاً للترفيه والأعمال.

تجاوز مفهوم الضيافة التقليدية

هذه الاستثمارات تتخطى مجرد بناء الفنادق. إنها تركز على الارتقاء بجودة الخدمات وتجربة الزائر ككل. الوزارة تتبنى استراتيجية مرنة للتعامل مع كثافة الأعداد المتوقعة، تشمل تسهيل إجراءات الحصول على تصاريح النزل المؤقتة، وتفعيل الرقابة الميدانية لضمان الالتزام بالأسعار ومعايير الجودة، وإطلاق باقات سياحية متكاملة تربط بين مكة المكرمة والوجهات السياحية القريبة في جدة والطائف. الهدف هو توفير تجربة إيمانية فريدة وميسرة للحجاج والمعتمرين، مع ضمان أن تكون المرافق الفندقية الجديدة مجهزة بأحدث التقنيات وتقدم أعلى مستويات الراحة والرفاهية. هذا التوجه يعكس فهماً عميقاً بأن الاستثمار في السياحة لا يقتصر على البنية التحتية المادية، بل يشمل أيضاً البنية التحتية للخدمات والمعايير التشغيلية.

تداعيات اقتصادية واجتماعية: أبعاد أعمق من الأرقام

تتجاوز الآثار المباشرة لهذه الاستثمارات في جدة ومكة المكرمة الجانب الفندقي. فهي محفز قوي للنمو الاقتصادي الشامل. قطاع السياحة، بطبيعته الخدمية، يعد من أكثر القطاعات توفيراً لفرص العمل. هذه المشاريع ستسهم في خلق آلاف الوظائف الجديدة للشباب والنساء السعوديين، مما يدعم جهود التوطين ويعزز مساهمة القوى العاملة الوطنية في الاقتصاد.

إضافة إلى ذلك، فإن تطوير البنية التحتية السياحية يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تضاعفت 8 مرات في قطاع الضيافة والفنادق والسكن السياحي منذ إطلاق رؤية 2030. كما تسهم هذه الاستثمارات في تنشيط قطاعات أخرى مثل الإنشاءات، التجزئة، النقل، والخدمات اللوجستية، مما يخلق دورة اقتصادية إيجابية. إن تعزيز مكانة المملكة كوجهة سياحية عالمية يعزز أيضاً قوتها الناعمة على الساحة الدولية، ويقدم صورة حديثة ومتطورة للمملكة، تتجاوز الصورة النمطية.

هذه الاستثمارات ليست مجرد أرقام تُصرف، بل هي حجر زاوية في بناء مستقبل اقتصادي مستدام، يرسم ملامح جديدة للضيافة في المنطقة، ويؤكد أن المملكة لا تكتفي باللحاق بالركب العالمي، بل تسعى لقيادته في قطاعات حيوية، مقدمةً نموذجاً يحتذى به في التنمية المتوازنة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

لا تفوت أي خبر رائج

انضم إلى أكثر من 100,000 قارئ يتلقون أفضل الأخبار والتنبيهات مباشرة في بريدهم الإلكتروني كل صباح.

بدون إزعاج، يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.