♻️ الاستدامة والسياسات البيئيةترند6 January 2026

أنهار السعودية الجديدة: شريان حياة أطول من النيل يجري تحت الرمال

تعرف على أضخم شبكة نقل مياه في العالم تتجاوز طول نهر النيل بمرتين، وكيف حولت السعودية تحدي الصحراء إلى معجزة هندسية تضخ الحياة في شرايين المدن الكبرى.

25 دقيقة قراءة
أنهار السعودية الجديدة: شريان حياة أطول من النيل يجري تحت الرمال

مقدمة

عندما نتحدث عن الأنهار، تتبادر إلى الأذهان صور المجاري المائية المفتوحة كنهر النيل أو الأمازون، لكن في المملكة العربية السعودية، يجري تعريف جديد تماماً لمفهوم "النهر". تحت كثبان الرمال الذهبية، يتدفق شريان حياة اصطناعي لا تراه العين، ولكنه ينبض بقوة تفوق الخيال. إنه مشروع "أنهار السعودية الجديدة"، شبكة عملاقة من خطوط نقل المياه المحلاة التي يتجاوز طول خطوطها الناقلة 12,000 كيلومتر، أي ما يفوق طول نهر النيل (6,650 كم) بمرتين تقريباً.

هذا المشروع ليس مجرد أنابيب فولاذية، بل هو معجزة هندسية ورؤية استراتيجية تهدف لفك ارتباط المدن السعودية بالمياه الجوفية الناضبة، وضمان أمن مائي مستدام يروي ظمأ المدن الكبرى ويحقق طموحات التشجير الخضراء.

المعجزة الهندسية: نهر يتدفق عكس الجاذبية

على عكس الأنهار الطبيعية التي تجري مع الجاذبية من المرتفعات إلى المنخفضات، تواجه أنهار السعودية تحدياً فيزيائياً هائلاً: "الصعود إلى الأعلى". المياه التي يتم إنتاجها في محطات التحلية العملاقة على السواحل لا بد أن تقطع مئات الكيلومترات وتتسلق الجبال لتصل إلى المدن الداخلية.

مواجهة التضاريس القاسية
لنأخذ خط "الجبيل - الرياض" كمثال حي على هذا التحدي؛ حيث يتم ضخ المياه من ساحل الخليج العربي لتقطع مسافة تزيد عن 400 كيلومتر، ليس هذا فحسب، بل يتم رفع هذه المياه لمستوى يتجاوز 600 متر فوق سطح البحر لتصل إلى العاصمة الرياض. هذه العملية تتطلب محطات ضخ عملاقة تستهلك طاقة هائلة وتعمل بتناغم دقيق لضمان عدم توقف التدفق ولو للحظة واحدة.

تقنيات الأنابيب المغلقة
الفرق الجوهري الآخر بين هذا النهر والنهر الطبيعي هو التصميم "المغلق". في بيئة صحراوية قاسية تتجاوز فيها درجات الحرارة 50 درجة مئوية، يعتبر التبخر العدو الأول للمياه. لذا، تم تصميم الشبكة كحلقة مغلقة من الأنابيب الفولاذية المعالجة ضد التآكل، بأقطار ضخمة تصل إلى 88 بوصة (2.25 متر)، مما يضمن وصول كل قطرة ماء من البحر إلى الصنبور دون هدر.

حجم الشبكة بالأرقام: ما وراء الخيال

لفهم ضخامة هذا المشروع، يجب أن ننظر إلى الأرقام التي تضعه في صدارة المشاريع العالمية:

الحجم اليومي:* تنقل الشبكة ما يقارب 9.4 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً، وهو رقم يكفي لملء آلاف المسابح الأولمبية كل 24 ساعة.
الطول الإجمالي:* إذا قمنا باحتساب خطوط النقل الرئيسية بالإضافة إلى شبكات التوزيع الفرعية تحت المدن، فإن الطول الإجمالي يتجاوز 126,000 كيلومتر، وهي مسافة تكفي للدوران حول الكرة الأرضية ثلاث مرات.
الممرات الرئيسية:* يتكون النهر من عدة مسارات استراتيجية، أبرزها (الجبيل-الرياض)، و(رأس الخير-الرياض)، و(رابغ-جدة-مكة)، و(ينبع-المدينة المنورة)، مما يربط الساحلين الشرقي والغربي بقلب المملكة.

التحول الاستراتيجي والمؤسسي (2024-2025)

لم يتوقف التطوير عند البنية التحتية، بل شمل الهيكلة الإدارية لضمان الكفاءة والاستدامة. شهد عام 2024 تحولات جذرية في قطاع المياه السعودي، حيث تحولت "المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة (SWCC)" - المنتج الأكبر للمياه المحلاة في العالم - إلى "الهيئة السعودية للمياه (SWA)" في مايو 2024، لتقود تنظيم القطاع بشكل أكثر شمولية.

في المقابل، برز دور شركة نقل وتقنيات المياه (WTTCO)، التي تم فصلها لتتولى إدارة وتشغيل هذه "الأنهار" تجارياً. هذا الفصل بين الإنتاج والنقل سمح بتركيز أكبر على كفاءة الشبكات وتقليل الفاقد، وفتح المجال لتقنيات حديثة في المراقبة والصيانة.

البعد البيئي: من استنزاف الأرض إلى استثمار الشمس

قد يتساءل البعض: لماذا بناء نهر صناعي مكلف بدلاً من حفر الآبار؟ الإجابة تكمن في "الاستدامة". لعقود طويلة، اعتمدت السعودية على المياه الجوفية غير المتجددة (المياه الأحفورية)، مما أدى لاستنزاف مخزون استراتيجي تكون عبر آلاف السنين.

هذا المشروع يسمح للمملكة بوقف ضخ المياه الجوفية للمدن بشكل شبه كامل، والحفاظ عليها كاحتياطي استراتيجي للأجيال القادمة. وعلاوة على ذلك، يشهد القطاع تحولاً هائلاً من التحلية الحرارية (التي تستهلك الوقود) إلى تقنيات التناضح العكسي (Reverse Osmosis) المدعومة بالطاقة الشمسية، مما يقلل البصمة الكربونية للمشروع بشكل كبير ويجعل قطرة الماء أكثر صداقة للبيئة.

شريان لرؤية 2030

لا يمكن فصل هذا المشروع عن مشاريع السعودية الكبرى الأخرى. فمبادرة مثل "الرياض الخضراء" التي تهدف لزراعة 7.5 مليون شجرة، أو مشروع "القدية" الترفيهي، كانت ستبقى حبراً على ورق لولا ضمان تدفق المياه المستدام. هذه الأنهار الصناعية هي الأساس الخفي الذي تقوم عليه نهضة التشجير وتحسين جودة الحياة في المدن الصحراوية.

خاتمة

إن مشروع أنهار السعودية الجديدة يقدم درساً عالمياً في كيفية تطويع الهندسة لخدمة البشرية في أصعب الظروف المناخية. إنه ليس مجرد أنابيب ومضخات، بل هو رمز للأمن المائي والسيادة الوطنية. في المرة القادمة التي تفتح فيها صنبور المياه في الرياض أو مكة، تذكر أن هذه المياه قد قطعت رحلة ملحمية عبر الصحراء والجبال، في نهر فولاذي صامت، لتصل إليك عذبة ونقية.

لا تفوت أي خبر رائج

انضم إلى أكثر من 100,000 قارئ يتلقون أفضل الأخبار والتنبيهات مباشرة في بريدهم الإلكتروني كل صباح.

بدون إزعاج، يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.